الخميس، 20 يناير، 2011

قراءة في الجملة اللحنية للفنان حسين الزواوي


عرفت الجُملة اللحنيّة الليبيّة أسماء ملحنين كثيرين خطّوا حروفها الموسيقية بمداد وجدانياتهم على ظهور صفحات النوتة الموسيقية، كما عرفت عازفين نفّذوها وامتهنوا التلحين بعد دراستهم الأكاديمية لأساليب وأصول العزف، وتمكُّن كل واحد منهم من أداته الموسيقية.وهناك عازفون كنَّا نراهم في (فلاشات) من ذوات اللونين الأبيض والأسود ما برحت تحتفظ بها ذاكرة المشاهد، بعد أنْ التقطت صورهم في أروقة الإذاعة المرئية وهم يعزفون على آلاتهم من خلال بعض الحفلات الغنائية المصوّرة سواء مع فرقة الإذاعة الليبية أو مع الأطقم الموسيقية العربية الزائرة لبلادنا التي كانت تُذاع من حين لآخر في المرئية المحلية.ومن هؤلاء سبيل المثال لا الحصر: إبراهيم فهمي وحسين الزواوي عازفا القانون وناصف محمود عازف الناي وخليفة الزليطني عازف الساكسفون وعبد الجليل خالد عازف التشيلو أو الكونترباص كما أحسب، وغير هؤلاء ثمة مجموعة أخرى من مُلحِّني اليوم وعازفي الأمس، لكن من هذه الأسماء من عزف عن العزف وتحوَّل إلى مجال التلحين مع العلم أنه ليس كل عازف نستطيع أنْ نلقي عليه لقب المُلحِّن، على الرغم من أنه قد يكون عازفاً ماهراَ ومتمكناً من آلته لكون التلحين موهبة ربّانية، يمنحها الله كأية موهبة أخرى لمن يشاء من عباده فلا يمكن تعليمها ولا تدريسها، ولا أدلُ على ذلك من انتفاء وجود مدرسة مكتوب على واجهتها عبارة "لتعليم التلحين" على العكس تماماً من العزف الذي تشرع معاهد كثيرة أبوابها لتعليمه.وثمة عددٌٌ كبيرٌ من الملحنين الكبار بالكاد يُجيدُ العزف على آلة واحدة (العود مثلا) بواسطتها يتمكَّن من ترجمة الجملة الموسيقية التي تتمخض في قريحته اللحنية ثم يوكل مهمة التوزيع الموسيقي إلى المختص بها، وهذا ما درجت عليه غالبية الملحنين العرب الكبار وقت تعاملهم مع الفرقة الماسية مثلاً.على أية حال، فمن جهتي أرى أنّ مكمن الإبداع كله في التلحين، ذلك أنّ المُلحِّن هو من يخلق العمل الغنائي من نطفة الشعر المكتوب فيحييه بعذب أنغامه بعدئذٍ لكونه في الأصل صاحب إحساسٍ راقٍ ورفيعٍ ومالكاً لوجدان بديع، لذا فهو يتفاعل مع كل كلمة في النص الغنائي ويتصوّر لها البعد الدرامي والخلفية الموسيقية اللازمة اللذين قد تحتاج إليهما حتى يصل معناها الظاهري والباطني للمستمع.كما أنه يحاول على الدوام أنْ يغوص في خبايا المفردة الغنائية التي يضعها المؤلف الغنائي كي يدرك المقاصد البلاغية التي في تصوره، ويكفيه من ثم أنْ يسلّم لحنه مقسماً على آلة العود إلى قائد الفرقة (المايسترو) الذي يُشترطُ فيه بالأساس أن يكون عازفاً ماهراً يتقن التعامل مع الآلات الموسيقية جميعها على اختلاف وظائفها، فيقوم بدوره بتوزيع مهام العزف على الآلات بلا تساو، لأنّ الضرورة الفنية هي من تقتضي ذلك وتحتمه حتى يظهر العمل كما ينبغي.وأوقاتاً ترى بعض العازفين يأخذ قسطاً من الراحة أثناء تنفيذ العمل وينشغل بتقليب (النوتة الموسيقية) التي قـُبالته استعداداً لجملة لحنية أخرى تأتي لاحقاً، يؤدي على نغماتها المطرب وصلته، وريثما يأذن له القائد بالعزف لتكون آلته عضواً فعّالاً في الأغنية، في الحين الذي يكون فيه العازفون الآخرون منهمكين بالعزف.غير أنّ هذه الظاهرة الفنية التي لا أستطيعُ أن أحكم عليها حتى الآن بالصحّيّة، شهدت الحركة الغنائية في ليبيا نماذج كثيرة لها، بعضها كان ناجحاً وبعضها الآخر كان متوسط المستوى، تمثلت في تحوّل العازفين المذكورة أسماء بعضهم أنفاً إلى الانخراط في مجال التلحين، فخسرتهم الساحة الفنية كعازفين مهرة، وذلك ربما لاكتسابهم الخبرة اللحنية بعد تجاربهم مع ملحنين أفذاذ لعدة سنوات من العزف معهم أو بالأحرى لهم، فترسبت إثر ذلك في أعماقهم الأحاسيس بجمال الجُملة اللحنية المموسقة، فاستأنسوا في أنفسهم الكفاءة والمقدرة على تأليف الجمل الموسيقية بدلاً من قراءتها وتنفيذها حال العزف ليكون التلحين في هذه الحالة مكتسباً لا طبيعياً، وذلك بالمران والدربة.ومن بين هذه الأسماء، هناك عازفٌ عارفٌ بأسرار آلته الوترية (القانون) بارعٌ وله باعٌ طويل في المجال الموسيقي ومن القلة القليلة من هذه الفئة التي نستطيع أنْ نحسبها قد نجحت في هذا التصيير (من العزف إلى التلحين).وله في محفوظات الإذاعة الليبية عديد المقطوعات والتقاسيم الموسيقية على آلته، مصوَّرة وتذاع أحياناً في الاستراحات الموسيقية المُتخللة لفقرات البرنامج العام التي أراها تُقدّم من قِبل المنسقين من قبيل تعبئة الفراغ ليس إلا، لأنها عادةً لا تكتمل عند إذاعتها، في حين أنها يجب أنْ تبثُّ في فقرات وبرامج أساسية، ضمن خارطة البرامج المعتمدة، ألا وهو الفنان العازف والملحن حسين الزواوي.أحتفظ لهذا الفنان بلحنين رائعين فقط في ذاكرتي جعلاني أضعه في مرتبة الملحنين الليبيين الكبار، وربما يكون له أعمالٌ أخرى، غير أنني أجهلها أو أحسبها لغيره، لكنني على يقين تام بأنه هو من ألَّف (النوتة) الموسيقية لعمل عاطفي أخّاذ، أدّته الفنانة العربية سعاد توفيق بعنوان "يا عيني لمتي موالك يا عيني".فهذه الأغنية تزخر بكم هائل من الجُمل الموسيقية التي تتنوع درجاتها الموسيقية من أول السلم الموسيقي إلى أعلاه وبأساليبها الغنائية، كما أنّ لها مقدمة موسيقية غير عادية وفواصل للعزف المنفرد تطول بين كل مذهب وآخر يليه، ولا ننسى سهولة الغناء الواضحة، عند انتقال صوت هذه الفنانة من كوبليه إلى ثانٍ بإجادة وسلاسة قلّ نظيرها، خصوصاً أنّ الفرقة الموسيقية العازفة وراء هذا الصوت، هي بسيطة في آلاتها من حيث الكمِّ، فلا تحتوي على الآلات الكهربائية التي يلجأ أكبر الملحنين إلى الاستعانة بها لتطعيم جُملهم اللحنية بنغماتها الاصطناعية والدرجات الصوتية.وعلى الرغم من أنّ زمنَ هذه الأغنية لا يتعدى ثمانية دقائق وأربعاً وعشرين ثانية، إلا أنّ الزواوي نضّد وحشّد مقامات ومذاهب موسيقية شتّى في هذه الأغنية الناجحة بكل المقاييس الفنية التي لا ينتبه إليها البعض من المستمعين والمعنيين بهذا المجال الفني، وتمر على مسامعه هكذا مرور الكرام، ومن دون أن يتفطّن إليها ويكتشف مواطن الجمال والإبداع فيها.وذائقتي الفنية تضع هذا العمل في قائمة الأغنيات والألحان الليبية الخالدة التي لا تُحسَب على الصعيد المحلي وكفى، بل حتى على الصعيد العربي إجمالاً، لكونها تُنسبُ إلى الغناء العربي الصحي الحديث الخالص النقاء من أية مؤثرات موسيقية خارجية.وأنت حين استماعك إلى هذه الأغنية سترى أو بالأحرى ستسمع، كيف أنّ هذه المطربة العربية منسجمة مع الكلمة تمام الانسجام ومنغمسة في اللحن بكل أحاسيسها ووجدانها الطربي، ويبدو ذلك جلياً من خلال إظهارها لمكامن الجمال والتجلي في صوتها خصوصاً حين وصولها بالغناء إلى المقطع الذي تنشد فيه هذه الكلمات: لمتى يعذبني موالك.. وفي بحور الحيرة ايغربنيمرة م المرسى ايقربني.. ومرة في حيرة ايخلينيموالك لمتى يا عيني..وحتى ولوجها إلى مقطع لاحق تقول فيه:تهوي وتغيري يا عين.. وما بين الحلوين اتحيريوتقولي ما اتبع غيري.. اوين نمشي معاك اتشقينيغير لمتى انذوب يا قلبي.. وتاخذنا م العين ادروبلا نعرف وين المحبوب.. وتضيع أحلامك واسنينيموالك لمتى يا عيني..وبحسب اللهجة الليبية الدارجة، فإنّ كلمة "موالك" هنا يُقصدُ بها حكايتك وليس الموال الغنائي، وجاءت لعتاب العين حتى تكف عن البكاء وتكفكف دمعها بنفسها، فهي صورة بلاغية للوم الذات.عموماً فهي تظهر هذه الخصائص الصوتية بشكل عفوي ومن دون تصنّع وبلا أي جهد يذكر من حبالها الصوتية، ذلك أنّ الملحن عرف كيف يُطرّز قـُماشة اللحن على الحجم المناسب لصوتها حتى ألبسه الحلة القشيبة التي تليق بمظهره، لكي تخرج هذه الدُّرر الصوتية من أعماق حنجرتها رغما عنها.وهو بلحنه هذا، كمن يحفر بئراً ارتوازيا في عمق جوف الأرض، لينفجر الماء الزلال الرقراق متدفقاً لا مانع يمنعه ولا يحجم جموحه، كي يرتفع ويرتفع حتى يصل إلى بُغيته ومنتهاه.وممَّا يُلاحظ استماعاً في هذه الأغنية أنّ الزواوي أراد من خلالها أنْ يطلق العنان لآلته الموسيقية لتعبر عن أفكاره الموسيقية ىالتي لم تسنح الفرصة له لتقديمها في معزوفات، يضيق المجال لتنفيذها في ألحان لغيره من الملحنين، فقد أعطى مجالاً واسعاً لآلته التي اشتهر بالعزف عليها، لتنطلق في هذه الأغنية وتقول ما لديها نغماً في فضاء رحب، ولتبرز مقدرة موسيقية متفتحة يتمتع بها، فوظـّف ذلك اللحن الذي قدمه للعزف أيضاَ.كما أنني، أذكرُ لهذا الفنان عملاً ثانياً، أحسست قبل أن اتأكد قطعاً من نسبه إليه بأنه له، ذلك أنه يمضي وفق الأسلوب الذي قدّمه لنا في أغنيته الأولى بكل حيثياته، وهنا لا أرمي من كلامي عنصر التكرار بل البصمة الفنية المتمثلة في التقديم والتوزيع الموسيقيين وكذلك وقت التسليم بالغناء لمؤدية العمل الفنانة السورية سعاد توفيق، تلك الأغنية التي تغنت بها في العقد الأسبق، وكانت بعنوان "يا لائمي"، فهي الأخرى لا تتعدد فيها الآلات الموسيقية المنفذة لها إلا ما لزم منها فقط (التخت الشرقي الأصيل) لأداء الغناء العربي، ومع ذلك قدر أنْ يجعل عمله ناجحاَ بواسطة جُملٍ لحنية عرفت بنفسي بأنها لا يمكن أن تكون لغيره، لكونها تحتفظ بنكهة وطعم العمل الأول وتنبض فيها أوتار قانونه وتشع منها روحه الطربية.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق